أبي بكر الكاشاني

188

بدائع الصنائع

الا بمكة نظرا لأهل مكة لأنهم ينتفعون به ولهذا لم يجز الدم الا بمكة ولنا ان نص الصدقة مطلق عن المكان فيجرى على اطلاقه والقياس على الدم بمعنى الانتفاع فاسد لما ذكرنا في الاحصار وإنما عرف اختصاص جواز الذبح بمكة بالنص وهو قوله تعالى حتى يبلغ الهدى محله ولم يوجد مثله في الصدقة وقد ذكرنا ان المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر به فتقه فان لبسه يوما ولم يفتقه فعليه دم في قول أصحابنا وقال الشافعي يلبسه ولا شئ عليه وجه قوله إن الكفارة إنما تجب بلبس محظور ولبس السراويل في هذه الحالة ليس بمحظور لأنه لا يمكنه لبس غير المخيط الا بالفتق وفى الفتق تنقيص ماله ولنا ان حظر لبس المخيط ثبت بعقد الاحرام ويمكنه التستر بغير المخيط في هذه الحالة بالفتق فيجب عليه الفتق والستر بالمفتوق أولى فإذا لم يفعل فقد ارتكب محظور احرامه يوما كاملا فيلزمه الدم وقوله في الفتق تنقيص ماله مسلم لكن لإقامة حق الله تعالى وانه جائز كالزكاة وقطع الخفين أسفل من الكعبين إذا لم يجد النعلين ويستوى في وجوب الكفارة بلبس المخيط العمد والسهو والطوع والكره عندنا وقال الشافعي لا شئ على الناسي والمكره ويستوى أيضا ما إذا لبس بنفسه أو ألبسه غيره وهو لا يعلم به عندنا خلافا له وجه قوله إن الكفارة إنما تجب بارتكاب محظور الاحرام لكونه جناية ولا حظر مع النسيان والاكراه فلا يوصف فعله بالجناية فلا تجب الكفارة ولهذا جعل النسيان عذرا في باب الصوم بالاجماع والاكراه عندي ولنا ان الكفارة إنما تجب في حال الذكر والطوع لوجود ارتفاق كامل وهذا يوجد في حال الكره والسهو وقوله فعل الناسي والمكره لا يوصف بالحظر ممنوع بل الحظر قائم حالة النسيان والاكراه وفعل الناسي والمكره موصوف بكونه جناية وإنما أثر النسيان والاكراه في ارتفاع المؤاخذة في الآخرة لان فعل الناسي والمكره جائز المؤاخذة عليه عقلا عندنا وإنما رفعت المؤاخذة شرعا ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا وقوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه والاعتبار بالصوم غير سديد لان في الاحرام أحوالا مذكرة يندر النسيان معها غاية الندرة فكان ملحقا بالعدم ولا مذكر للصوم فجعل عذرا دفعا للحرج ولهذا لم يجعل عذرا في باب الصلاة لان أحوال الصلاة مذكرة كذا هذا ولو جمع المحرم اللباس كله القميص والعمامة والخفين لزمه دم واحد لأنه لبس واحد وقع على جهة واحدة فيكفيه كفارة واحدة كالايلاجات في الجماع ولو اضطر المحرم إلى لبس ثوب فلبس ثوبين فان لبسهما على موضع الضرورة فعليه كفارة واحدة وهي كفارة الضرورة بان اضطر إلى قميص واحد فلبس قميصين أو قميصا وجبة أو اضطر إلى القلنسوة فلبس قلنسوة وعمامة لان اللبس حصل على وجه واحد فيوجب كفارة واحدة كما إذا اضطر إلى لبس قميص فلبس جبة وان لبسهما على موضعين مختلفين موضع الضرورة وغير موضع الضرورة كما إذا اضطر إلى لبس العمامة أو القلنسوة فلبسهما مع القميص أو غير ذلك فعليه كفارتان كفارة الضرورة للبسه ما يحتاج إليه وكفارة الاختيار للبسه مالا يحتاج إليه ولو لبس ثوبا للضرورة ثم زالت الضرورة فدام على ذلك يوما أو يومين فما دام في شك من زوال الضرورة لا يجب عليه الا كفارة واحدة كفارة الضرورة وان تيقن بان الضرورة قد زالت فعليه كفارتان كفارة ضرورة وكفارة اختيار لان الضرورة كانت ثابتة بيقين فلا يحكم بزوالها بالشك على الأصل المعهود ان الثابت يقينا لا يزال بالشك وإذا كان كذلك فاللبس الثاني وقع على الوجه الذي وقع عليه الأول فكان لبسا واحدا فيوجب كفارة واحدة وإذا استيقن بزوال الضرورة فاللبس الثاني حصل على غير الوجه الذي حصل عليه الأول فيوجب عليه كفارة أخرى ونظير هذا ما إذا كان به قرح أو جرح اضطر إلى مداواته بالطيب انه ما دام باقيا فعليه كفارة واحدة وإن كان تكرر عليه الدواء لان الضرورة باقية فوقع الكل على وجه واحد ولو برأ ذلك القرح أو الجرح وحدث قرح آخر أو جراحة أخرى فداوها بالطيب يلزمه كفارة أخرى لان الضرورة قد زالت فوقع الثاني على غير الوجه الأول وكذا المحرم إذا مرض أو أصابته الحمى وهو يحتاج إلى لبس الثوب في وقت ويستغنى عنه في وقت الحمى فعليه كفارة واحدة ما لم تزل عنه تلك العلة لحصول اللبس على جهة واحدة ولو زالت عنه تلك